الشوكاني

330

فتح القدير

( بعضهم أولياء بعض ) وما بعده بالتوارث ، وأما من فسرها بالنصرة والمعونة فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن القرابات ( بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن ، ويدخل في هذه الأولوية الميراث دخولا أوليا لوجود سببه ، أعني القرابة ( إن الله بكل شئ عليم ) لا يخفى عليه شئ من الأشياء كائنا ما كان ، ومن جملة ذلك ما تضمنته هذه الآيات . وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( إن الذين آمنوا وهاجروا ) الآية قال : إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاث منازل ، منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه ، وفي قوله ( والذين آووا ونصروا ) قال : آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد ، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض ، وفي قوله ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) قال : كانوا يتوارثون بينهم إذا توفى المؤمن المهاجر بالولاية في الدين ، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر ، فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم ، وهي الولاية التي قال ( ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) كان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق ، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم ، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبا مفروضا لقوله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) الآية ، وفي رواية لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( أولئك بعضهم أولياء بعض ) قال : يعني في الميراث جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام ( والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ ) ما لكم من ميراثهم من شئ ( حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين ) يعنى إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدو لهم فعليهم أن ينصروهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فكانوا يعملون على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فنسخت الآية التي قبلها ، وصارت المواريث لذوي الأرحام . وأخرج أبو عبيد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في هذه الآيات قال : كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ، ولا يرث الأعرابي المهاجر ، فنسختها هذه الآية ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عنه أيضا قال : قال رجل من المسلمين : لنورثن ذوي القربى منا من المشركين ، فنزلت ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ، والطلقاء من قريش ، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة " . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافرا ، ولا كافر مسلما ، ثم قرأ ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) الآية " . وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله فينا خاصة معشر قريش ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان ، فواخيناهم ووارثناهم فآخونا ، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد ، وآخى عمر فلانا ، وآخى عثمان بن عفان رجلا من بني زريق بن أسعد الزرقي ، قال الزبير : وآخيت أنا كعب بن مالك ، ووارثونا ووارثناهم ، فلما